X

التأهـــيــل السمــــعي اللــفــــظـــي

تعتبر نعمـة السمع واحدة من أهم النعم التي أنعم الله – سبحانه وتعالى – بها علينا، وكغيرها من النعم فإننا لا نشعر بمدى أهميتها إلا حين نحرم منها. وحتى وقت قريب كان الاعتقاد السـائد أن من لا يسمع لا يتكلم، إلا أن هذا المفهوم قد بدأ بالتغير، إذ أنه باستخدام الأجهزة السمعية المناسبة وتلقي الخدمات التأهيلية يستطيع غالبية ضعاف السمع فهم الكلام والتواصل مع الآخرين بشكل لفظي. إلا أن خبرتنا كمركز رائد في مجال علاج الاضطرابات التواصلية قد علمتنا أنه لا يمكن لأي برنامج تأهيلي النجاح دون أن يكون هنالك متابعة للأهداف العلاجية في البيئة المنزلية. وفي حالة إصابة الطفل بفقد السمع يكتسب هذا المفهوم أهمية أكبر إذ يتحمل الأهل الدور الأكبر في التأكد من عمل الأجهزة السمعية وتزويد الطفل بالمهارات السمعية المناسبة، من أجل تسهيل عملية اكتساب اللغة كغيره من أقرانه ذوي السمع العادي. ولكي يقوم الأهل بواجبهم في العملية التأهيلية يجب أولاً أن يكونوا على علم بأهم مبادئ التأهيل السمعي اللفظي ومراحل التطور التي يجب أن يمر بها طفلهم قبل أن يتمكن من استخدام الكلام كوسيلة للتواصل مع الآخرين.

وحــــدة التأهيل السمعي اللفظي بمركز جدة للنطق والسمع:

يحتاج الأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي إلى برامج تأهيلية تساعدهم على تنمية مهارات الاستماع من أجل اكتساب اللغة بشكل طبيعي كأقرانهم ذوي السمع العادي، وتعرف هذه البرامج التأهيلية ببرامج التأهيل السمعي اللفظي. ورغم الاختلافات الظاهرية في هذه البرامج إلا أنها تركز في جوهرها على تزويد الطفل بالمهارات السمعية اللازمة من أجل تسهيل عملية اكتساب اللغة.

ما المقصود بالتأهيل السمعي اللفظي ؟

لقد برز مفهوم التأهيل السمعي اللفظي نتيجة التطورات العلمية والتقنية التي حصلت في مجال معالجة الضعف السمعي. إذ كان لا بد للأساليب التأهيلية والعلاجية أن تتماشى مع هذه التطورات التقنية والعلمية. فقد أتاح تطور المعينات السمعية وعمليات زراعة القوقعة السمعية الفرصة للعديد من الأطفال ضعاف السمع أن يكونوا مرشحين لتلقي هذا النوع من التأهيل، فباستخدام المعينات السمعية القوية وعمليات زراعة القوقعة السمعية (أو كليهما) أصبح بإمكان غالبية الأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي سماع الكلام والتواصل بشكل لفظي مع الآخرين، وهذا هو مبدأ التأهيل السمعي اللفظي.

ويرى أنصار مبدأ التأهيل السمعي اللفظي أن الاعتماد على السمع واستخدام الكلام في التواصل هي السبل التي ستساعد الطفل الذي يعاني من ضعف سمعي على الاندماج في المجتمع والنظام التعليمي بشكل فعَّـال. وفي العالم العربي يكتسب هذا المبدأ أهمية إضافية نظراً لغياب البدائل المناسبة كلغة الإشارة مثلاً إذ لا توجد حتى الآن لغة إشارة موحدة ومنظمة يمكن أن يعتمد عليها ضعاف السمع في التعلم أو التواصل مع الآخرين.

ويجب التنويه هنا إلى أن أسلوب التواصل السمعي اللفظي هو ليس الوسيلة الوحيدة للتواصل فيما يخص ضعاف السمع إذ أن هنالك أساليب أخرى كأسلوب التواصل الكلي الذي يشجع استخدام الإشارة وقراءة الشفاه والكتابــــة وكل ما هو متاح من أجل التواصل مع الآخرين،

كذلك يوجد أسلوب التواصل عن طريق لغة الإشارة ولكن كما ذكرنا فإنه لا توجد لغة إشارة

موحدة في العالم العربي كما هو الحال بالنسبة للغة الإشارة الأمريكية ASL، وغالباً ما يتم اختيار أحد هذه الأساليب (التواصل الكلي أو لغة الإشارة) عندما لا يتم تحقيق استفادة من استخدام المعينات السمعية أو عندما لا يستطيع والدا الطفل ضعيف السمع التكيف مع متطلبات برنامج التأهيل السمعي اللفظي.

أهم مبادئ برنامج التأهيــل السمعــي اللفظــي:

سيتعرض هذا الجزء للمبادئ الأساسية لعملية التأهيل السمعي اللفظي وهي استخدام الكلام، والاكتشاف المبكر، وتعاون الوالدين، وتلقي جلسات علاجية، وتطوير الكلام عن طريق السمع، ودمج البيئة التعليمية والمعيشية، وتحفيز المهارات السمعية، والتقييم المستمر، وتدريب الطفل على الاعتماد على النفس في التواصل.

أولاً: تشجيع الطفل ضعيف السمع على استخدام الكلام من أجل التواصل مع الآخرين. ولتعليم الطفل الكلام يجب علينا أن نستخدم الكلام. أما طرق التواصل البصرية كاستخدام الإيماءات أو الإشارة فهي ليست جزءاً من برنامج التأهيل السمعي اللفظي.

ثانياً: التشجيع على الاكتشاف المبكر للضعف السمعي وتزويد الطفل ضعيف السمع بالتقنية السمعية المناسبة في أقرب وقت بعد اكتشاف المشكلة. وتتضمن التقنية السمعية المعينات السمعية، أجهزة FM، أو عملية زراعة القوقعة السمعية. وذلك من أجل إتاحة الفرصة للطفل لتعلم الاستماع والكلام في السنوات الأولى من حياته. ولا يجب إضاعة أي وقت في تزويد الطفل بهذه القدرة على الاستماع. أما اختيار التقنية السمعية المناسبة فيتم بشكل فــردي ولكـل حالة على حده، وذلك لتحسين قدرة الطفل على سماع كلام الآخرين أثناء التحدث وتعلم الكلام ويتم هنا تضافر الجهود من قبل أخصائي السمعيات وطبيب الأنف والأذن والحنجرة (عند الضرورة) من أجل الوصول إلى أعلى مستوى سمعي ممكن أن يصل إليه الطفل.

ثالثاً: تطوير شراكة بين الأخصائي والوالدين من أجل تدريبهم على توفير أفضل فرص التعلم اللفظي لطفلهم، وذلك عن طريق التواصل مع الطفل بشكل لفظي وأن يشجعوا الآخرين على الاقتداء بهم ومنع الآخرين من استخدام الأساليب الخاطئة في التواصل مع طفلهم (كالكلام بدون صوت أو الهمس أو استخدام الإشارة أو التحدث بلغة مختصرة وغيرها). كما يتم إشراك الوالدين في جميع الجلسـات العلاجية وذلك من أجل تزويدهم بالإرشاد والمشورة حول الطرق التي يمكن استخدامها من أجل تعليم طفلهم الكلام ضمن الفرص الطبيعية المتوفرة في البيت والمجتمع. حيث أن الوالدين هما المصدر الأساسي لتعلم الطفل وليس أخصائي التأهيل السمعي اللفظي أو معلم ضعاف السمع. كما يتعلم الوالدان كيفية استغلال الفرص العديدة الموجودة في حياة الطفل من أجل تنمية مهارات الاستماع والكلام لديـه.

رابعاً: يتلقى الطفل ووالداه جلسـات علاج فردية حيث يحصلون على خطة علاجية مصممة لتناسب احتياجات طفلهم. وينحصر دور أخصائي التأهيل السمعي في تعليم الأهل وإرشادهم وتوفير المشورة والدعم لهم إلى أن يصبح الاستماع والكلام شيء عادي بالنسبة لطفلهم. وتعتبر احتياجات كل طفل وعائلته فريدة ومختلفة لذا يتم معالجتها بأسلوب فردي.

خامساً: تطوير الكلام عن طريق حاسـة السمع عند الطفل، حيث يتعلم الطفل ضعيف السمع الاستماع لصوته وتقليد كلام الآخرين تماماً كالأطفال الذين يتمتعون بسمع طبيعي. أولاً يتطور اللعب الصوتي، ثم المناغاة، وأشباه الكلمات، ثم الكلمات، فالجمل. ولا يتم تدريب الأطفال على قراءة الشفاه بشكل مباشر إلا أنهم يكتسبون هذه المهارة تلقائياً من خلال تعرضهم اليومي للكلام الطبيعي ومراقبة وجوه الآخرين.

سادساً: دمج البيئة المعيشية والتعليمية بشكل طبيعي مما يتيح للطفل تعلم الواجبات اليومية والقيم والأنشطة الترفيهية والآمال والتطلعات الخاصة بأسرته، كما يتم تشجيع الوالدين على معاملة طفلهم ضعيف السمع كأي فرد من أفراد الأسرة الآخرين.

سابعاً: تحفيز وإرشاد الطفل للمرور بالمراحل الطبيعية لتطور السمع والكلام واللغة. يركز برنامج التأهيل السمعي اللفظي على تعليم الطفل كيفية الانتباه للأصوات مما يؤدي إلى إطلاق وظائف الدماغ الخاصة بالسمع وتعلم اللغة والتواصل اللفظي. وكلما ازدادت قدرة الطفل على تمييز الأصوات وتحسنت ذاكرته السمعية كلما ازدادت مفرداته وعباراته وجمله. ويقوم الأهل باستخدام الأحداث اليومية لتعزيز مهارات الطفل السمعية والكلامية. ويتم استخدام السنوات الأولى من الاستماع لبناء أسس سمعية للتواصل اللفظي.

ثامناً: التقييم المستمر ومراقبة احتياجات الطفل. حيث تتغير احتياجات الطفل التقنية والعلاجية مع مرور الوقت لذا ينظر للعلاج على أنه عملية تشخيصية مستمرة بحيث يتم جمع المعلومات حول مستوى الطفل واحتياجاته  وتتم مناقشته هذه المعلومات مع الأهل كما يتم تعديل البرنامج العلاجي حسب الحاجة.

تاسعاً: تدريب الطفل على الاعتماد على النفس في التواصل وتشجيعه على الاندماج الاجتماعي والتعليمي. وعن طريق تكوين صداقات مع الأطفال ذوي السمع الطبيعي والذهاب إلى رياض الأطفال والمدارس العادية يتم تزويد الطفل بنماذج تواصلية لفظية بالإضافة إلى تعريفه بما يتوقعه منه المجتمع.

متطلبات نجــاح برنامـــج التأهيــل السمعــي اللفظــي:

يعتمد نجاح برنامج التأهيل السمعي اللفظي على توافر البيئة السمعية المتاحة وطريقة استخدام البرنامج العلاجي ومشاركة الأهل.

أ‌.    البيئة السمعية:

في برامج التأهيل السمعي اللفظي تم الاعتماد على الاستماع من أجل تعلم اللغة الكلامية عن طريق السمع وليس النظر لذا فمن الطبيعي أن يتم التدريب في أفضل الظروف السمعية لتسهيل الاستماع للمعلومات وبالتالي تسهيل عملية التعلم. يتم تعزيز ظروف الاستماع عن طريق:

  • الجلوس بجانب الطفل (جهة الأذن الأفضل).
  • التحدث من مسافة قريبة إلى المعين السمعي أو القوقعة الالكترونية المزروعة.
  • التحدث بشكل طبيعي (عدم الصراخ أو الهمس).
  • تقليل الصوت أو الضجيج الموجود في الخلفية (المكيف، التلفاز وغيره).
  • استعمال أنماط كلامية غنية بعناصر التنغيم والإيقاع والتعبير (مثال: صـــــوت حزين، صوت فرح، صوت غاضب، …. وغيره).
  • استخدام أسلوب الإبراز السمعي Acoustic Highlighting (تمييز الكلمات غير المفهومة عن بقية الجملة عن طريق لفظها بصوت أعلى أو بنغمة مختلفة).

ب.البرنامج العلاجـي:

غالباً ما تكون جلسات التأهيل السمعي اللفظي تشخيصية وإرشادية حيث يتم استخدام هذه الجلسـات لتقييم التقدم والمهارات التي أحرزها كُلاًّ من الطفل ووالديـه. وتكون هذه الجلسـات فردية بحيث تمكن الأخصائي من تقييم الاحتياجات الخاصة بكل أسرة وطفل على حده. ويمكن إجراء هذه الجلسـات في أي مكان كالعيادة أو المدرسة. ويتم الاستعانة بألعاب الطفل نفسـه أو بالمجسمات الصغيرة من أجل خلق جو يساعد على عمل محادثة مع الطفل عن طريق السمع.

في معظم برامج التأهيل السمعي اللفظي تكون مدة الجلسـة ساعة أو ساعة ونصف أسبوعياً، لذا تعتبر مشاركة الأهل هي الأساس لنجاح البرنامج التأهيلي. ومن خلال التشجيع والإرشاد يكتسب الوالدان الثقة بالنفس التي تمكنهم من تطبيق الأساليب والاستراتيجيات من أجل تحقيق الأهداف المرجوة. يقوم أخصائي التأهيل السمعي بالتوضيح والإرشاد وتدريب الأهل من أجل مساعدة طفلهم على تحقيق أقصى استفادة من قدراته السمعيـة. كما يمكن إشراك الطفل في جلسات علاجية جماعية من أجل تحقيق أهداف محددة كتحسين أساليب التواصل مع أقرانه وغيرها من الأهداف.

وبالعمل كفريق يقوم أخصائي التأهيل السمعي والوالدان بتأسيس الأهداف التي يجب تحقيقها في المنزل. والأهداف للأطفال الأصغر سنـــــاً تتضمن اللعب بالمجسمات وعمل الأنشطة المنزلية اليومية، أما الأهداف بالنسبة للأطفال الأكبر سنـاً فتتضمن سرد القصص وتطوير مهارات الكلام والاستماع بوجود الضجيج أو تعلم مواضيع ذات علاقة بالمنهج الدراسي. كل هذه الأهداف والتي تعتمد على المرحلة التطورية للطفل، والعمر السمعي، والمهارات السمعية يتم استهدافها من خلال اللعب والأعمال الروتينية اليومية والأنشطة الموجهة والأناشــيد.

ج. مشاركة الأهل:

تبنى فلسفة التأهيل السمعي اللفظي على وجهة النظر القائلة بأن الأطفال يتعلمون الكلام بشكل أسهل عندما يشاركون بأنشطة ذات معنى وفي جو طبيعي ومريح ومع أشخاص يرتاحون لهم (أي في المنزل مع الوالدين) لذا يقوم الوالدان في جلسات التأهيل السمعي اللفظي بالمراقبة والمشاركة من أجل تعلم ما يلي:

  • توفير النماذج الأفضل لطريقة التحدث مع الطفل من أجل تحفيز الاستماع واللغة والأنشطة التواصلية في المنزل وذلك من أجل أن يقوم الآخرين بتقليد هذه النماذج.
  • كيفية التخطيط لإدخال الاستماع والكلام واللغة والتواصل إلى الأنشطة الروتينية اليومية.
  • التواصل مع الأخصائيين كشركاء في العملية العلاجيـة.
  • إعلام الأخصائي باهتمامات الطفل وقدراته.
  • القدرة على فهم المعاني المرتبطة بمحاولات الطفل التواصلية الأولى.
  • تطوير أساليب للتعامل مع المشاكل السلوكية التي قد تطرأ.
  • تسجيل ومناقشة التقدم المحرز.
  • فهم الأهداف المرحلية والأهداف الطويلة المدى في الخطة العلاجية.
  • اكتساب الثقة بالنفس أثناء التعامل مع الطفل.
  • اتخاذ قرارات مبنية على المعرفـة.
  • الدفاع عن حقوق طفلهم (مثال: منع الآخرين من استخدام الإشارة بدل الكلام مع الطفل).

العوامل التي تؤثـر على التقدم:

يتميز كل طفل عن الآخر وكل عائلة عن الأخرى بأنماط تعلم وحياة مختلفة. لذا يختلف مستوى تطور مهارات الاستماع والتواصل من طفل لآخر وغالباً ما يعتمد التقدم على عدد من العوامل فيما يلي بعضها:

  • عمر الطفل عند اكتشاف مشكلة السمع.
  • كلما كان الاكتشاف في مرحلة مبكرة كلما كانت فرصة التحسن أفضل.
  • سبب أو نوع الضعف السمعي.
  • درجة الفقدان السمعي.
  • مدى فاعلية المعين السمعي أو جهاز القوقعة السمعية الالكترونية المزروعة.
  • مدى فاعلية الخدمات السمعية (برمجة المعينات السمعية وغيرها).
  • الحالة الصحيـة للطفل.
  • الحالة العاطفية لأسرة الطفل.
  • مستوى مشاركة الأهل.
  • مستوى مهارة أخصائي التأهيل.
  • مستوى مهارة الوالدين.
  • أسلوب تعلم الطفل.
  • درجـة ذكاء الطفل.
  • مدى تعاون الأشخاص المحيطين بالطفل (الأصدقاء، الأهل).