اضطراب فرط الحركة ونقص الأنتباه

Spread the love

AlTibbi_Final_Logo-01 (1)

د. وليد سرحان

في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لاحظ العديد من الأطباء الإنجليز والفرنسيين أن بعض الأطفال تزيد حركتهم عن الحدود المقبولة وأن هذا يترافق مع نقص الإنتباه، وفي النصف الثاني من القرن الماضي، اهتم الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الملاحظات وبدأ وصف وتصنيف هذا الأضطراب في التصنيف الدولي للأمراض والتصنيف الأمريكي للإضطرابات النفسية، وأصبح من الواضح أن هذا الإضطراب يؤثر على البالغين أيضاً، فقد يبدأ بالطفولة وليس بالضروري أن يتلاشى وإذا استمر فأنه يؤثر على حياة الفرد في مختلف المراحل.

وهذا الإضطراب يترافق مع مشاكل عديدة ويؤثر على الثقة بالنفس ويؤدي لصعوبات مدرسية، والإعتقاد أنه يختفي مع العمر ليس صحيحاً دائماً، فهناك بعض المصابين بهذا الإضطراب قد يستمروا بالمعاناة حتى مع تقدم العمر، ولكن الكثير منهم يتعلموا أساليب للتعامل مع المشكلة وينتهوا منها خصوصاً من تم علاجهم.

وقد تبدأ ملاحظة الأعراض بين الثانية والثالثة من العمر وتكون الأعراض في صعوبة الإنتباه لما يجري من حولهم وبالتالي التركيز على الموضوع، وصعوبة متابعة التعليمات وكأن الطفل لا يصغي للكلام أو لا يفهمه، وقد يبدو الطفل في أحلام يقظة بعيد عن التفاعل مع الواقع، ويكون لديهم صعوبة في تنظيم واجباتهم ونشاطاتهم، وكثيراً ما ينسى الطفل وتضيع منه حاجاته و كتبه وألعابة ويفشل في انجاز أي مهام تطلب منه أو واجباته مدرسية، ويلاحظ أنه سريعاً ما يتشتت فبينما تقوم الأم أو المدرسة بشرح شيء معين للطفل ، فإن أي صوت أو حركة في المحيط أو أشياء موجودة تجعله يتشتت عن الموضوع ويهتم بالمثيرات الأخرى المحيطة، والطفل في هذا الإضطراب لا يبدو عليه القدرة على الجلوس أو الوقوف بهدوء فهو كثير الحركة وحتى وهو جالس أو واقف يحرك جسمه، ويمكن القول أنه في حركة مستمرة وكثير الكلام والمقاطعة لمن يتكلم أو يلعب ولا يصبر لسماع باقي الكلام ولا يستطيع الإنتظار أو أخذ دوره في أي شيء. والأولاد أكثر إصابة بهذا الإضطراب من البنات ويلاحظ أن البنات قد يعانين ضعف الإنتباه مع بقاء الحركة في الحدود الطبيعية.

إن الطفل الطبيعي قد يكون كثيرالحركة وضعيف الإنتباه ومتقلب بين الحين والآخر، ومن الطبيعي للأطفال قبل دخول المدرسة أن يكون الطفل قادر على الإنتباه لفترات محدودة فقط مع صعوبة  الإستمرار في نشاط واحد أو لعبة واحدة لفترة طويلة، كما أن الأطفال والكبار يتفاوت انتباههم وتركيزهم حسب درجة اهتمامهم بالموضوع وحسب وضعهم ، فإذا كان جائع أو متعب أو منزعج قد يكون إنتباهه وتركيزه قليل. وكذلك الأمر بالنسبة للحركة الزائدة، فالأطفال لديهم طاقة ، وقد يتعب الوالدين والطفل لا يتعب وهذا ممكن أن يكون في الوضع الطبيعي، ومن غير المهم أن يصنف الطفل على أنه يعاني من هذا الإضطراب لأنه يختلف عن أقرانه، وكما أن هذا هو تشخيص طبي لا يجوز أن يتم تشخيصه من قبل الأسرة أو المدرسة، فعلى سبيل المثال الأطفال الذين لديهم مشكلة في الحركة والتركيز في المدرسة وليس لديهم مشكلة خارج المدرسة أو العكس، فإن هذا يشير إلى مشاكل أخرى في القدرات والإضطراب التعليمية وأسلوب التربية، وهذا لاينفي دور الأسرة والمدرسة في تقديم الملاحظات المختلفة حول الطفل دون فرض تشخيص معين .

كما هو الحال في معظم الإضطرابات النفسية فإن السبب لهذا الإضطراب ليس واحد ومحدد بل مجموعة من العوامل، فيلاحظ أن الإضطراب يزيد في بعض العائلات وأن بعض الجينات الوراثية تلعب دوراً في حدوثه، كما أن عوامل بيئية مختلفة قد يكون لها أثر في فترات حرجة من تطور الطفل، مثل التسمم بالرصاص، وكما أن فترة الحمل وما يتعرض فيها الطفل من أخطار مثل تعاطي الأم للكحول وبعض الأدوية قد تساهم في ظهور هذه الحالة ، وكما أن الأطفال المولودين بشكل مبكر أكثر عرضة للإصابة به، وكثيراً ما تتهم السكريات بأنها سبب لفر ط الحركة ولكن هذا لم يثبت علمياً، ويجتهد الناس في حال ربط الحالة بمأكولات معينة و هذا لا أساس له أيضاً.

قد يؤدي هذا الأضطراب إلى الفشل الدراسي واعتبار الطفل قليل القدرة، وهؤلاء الأطفال أكثر عرضة للحوادث والإصابات، ويؤدي هذا بهم لاهتزاز النظرة للذات وضعف العلاقات مع الأقران وقبول الآخرين للطفل ، وفي المراهقة يزيد إحتمال إساءة استعمال المؤثرات العقلية والكحول. قد يكون الإضطراب منفرداً وأحياناً يكون مصحوباً بالإعاقات العقلية وإضطرابات التطور المختلفة بالإضافة للإضطرابات السلوكيةوالمزاجية والإنفعالية والقلق النفسي ،ومع العمر قدي يرتبك التشخيص مع إضطراب المزاج مزدوج القطب.

في تشخيص الحالة فإن الطبيب يتبع الخطوات المعروفة وهي الفحص الجسدي والنفسي وجمع المعلومات من الطفل في مختلف الأماكن، والحصول على تقارير من المدرسة ويمكن استعمال بعض الإستبيانات لمساعدة الأسرة والمدرسة في الإجابة على الأسئلة. ثم لا بد من التأكد من وجود الأعراض وهي من جزئين:

1- ضعف الإنتباه:

  • – غالباً ما يفشل في الإنتباه للتفاصيل ويرتكب أخطاء وتظهر اللامبالاة في الدراسة والنشاطات الأخرى.
  • – لا يستطيع الإستمرار في الإنتباه في الواجبات أو اللعب مما يؤدي لعدم اتقانها .
  • – لا يبدو أنه مصغي عند الحديث معه وحتى أنه يشك البعض في سمعه.
  • – لا يتابع التعليمات ويفشل في انجاز الواجبات المدرسية أو غيرها.
  • – لديه صعوبة في تنظيم واجباته ونشاطاته.
  • – يتجنب ويكره ويتردد في الإنخراط في مهام تتطلب المجهود والمواظبة المستمره كالواجبات المدرسية أو أي مهام تطلب منه في البيت.
  • – غالباً ما يفقد حاجاته الضرورية للنشاطات والمهام كالألعاب والأفلام والكتب.
  • – يتشتت بسهولة من أي مؤثر غير الموضوع أو العمل المطلوب.
  • – غالباً ما يكون كثير النسيان في النشاطات اليوميةحتى أن الأسرة تظن أن الطفل لديه مشاكل في الذاكرة .

2- الحركة المفرطة والإندفاع: 

  • – يحرك الطفل  يديه ورجليه وهو واقف أو جالس.
  • – يغادر مقعدة في الصف أو أي مكان أخر مع أنه من المفروض أن يبقى جالس.
  • – غالباً ما يركض ويتسلق الأشياء في مواقف غير مناسبة .
  • – لا يستطيع على الأغلب الإندماج في اللعب بهدوء وقد يكون مخرب للعلب.
  • – دائماً يبدوا أنه جاهز للحركة ويصفه الأهل ذلك كأنه على موتور.
  • – غالباً ما يكون الكلام أكثر من المعتاد ويوصف بالثرثرة الزائدة
  • – قد يعطي الإجابات السريعة الخاطئة قبل إنتهاء السؤال.
  • – لا يستطيع الإنتظار بالدور وأي انتظار.
  • – غالباً ما يقاطع أو يتدخل في حديث أو لعب الآخرين .

ويكون من الواضح أن هذه المشاكل تؤثر على أدائه وقدراته وأنه مختلف عن الأطفال من عمره ، ولابد ان تكون هذا المشاكل قد استمرت لفترة لا تقل عن ستة شهور، ولا بد أيضاً لهذه الأعراض أن تظهر في أكثر من موقف حتى يسمى إضطراب.

هناك ثلاث فئات من الأطفال المصابين:

الأولى: من يكون عنده عدم الإنتباه هو المسيطر لديهم.

والثانية: من يكون عنده فرط الحركة هو الأكثروضوحاً عندهم. 

والثالث: هو النوع المختلط بين الحركة المفرطة ونقص الإنتباه.

وفي التشخيص كالعادة لابد من الأخذ بالإعتبار التشخيص التفريقي أي أنه لابد من إستثناء  اضطرابات أخرى قد تعطي أعراض مشابهه، مثل صعوبات اللغة والتعلم واضطرابات المزاج والقلق وبعض أشكال الإضطرابات بالنظر والسمع والنوم والغدة الدرقية أو إساءة استعمال المؤثرات العقلية وإصابات الدماغ المختلفة.

وعند الحديث عن انتشار هذا الإضطراب يتضح أنه بين3% – 7% من الأطفال بعمر المدرسة ، ولكن الأرقام تتفاوت في الدراسات المختلفة والمناطق المختلفة في العالم، وهناك ميل في الولايات المتحدة الأمريكية لتشخيص هذا الإضطراب أكثر من أوروبا وباقي دول العالم.

و يجدر الذكر أن ليس كل طفل مشاغب وقليل الإنتباه بالصف هو مصاب بهذا الإضطراب، وقد يبدو التشخيص أحياناً غطاءً لمن لديهم تأخر عقلي بسيط أو صعوبات تعلم أو مشاكل سلوكية وعاطفية أخرى، وقد يكونوا أطفال طبيعيين لكن مدرسيهم أو أسرهم لا تتحملهم وتتوقع من الطفل أن يتصرف بهدوء وأن يصغي دائماً ولا تقبل خلاف ذلك و إلا فإن هذا مرض و يحتاج لعلاج، وبالتدقيق قد تكون المشكلة لدى الأسرة أو المدرسة وليست بالطفل.

والحديث عن العلاج يتبادر للذهن فوراً إعطاء الطفل عقار معين، والواقع أنه بعد التشخيص الدقيق لابد من وضع خطه وأهم بنودها أن يكون التعامل مع الطفل في البيت والمدرسة صحيح, و أن يتمكن الطفل من الحصول على أساليب تعديل سلوك وثواب وعقاب، والعقاب هو بأسلوب الحجز والحرمان والثواب عكس ذلك، وقد يفيد استعمال لوحه يحصل فيها الطفل على نجمة عندما يكون سلوكه مقبول ولا يحصل عليها إذا كان سلوكه غير مقبول، ويمكن أن يستعمل هذا الأسلوب لأكثر من طفل في الأسرة، ويجب الحذر من الضرب والإيذاء والتوبيخ المتواصل الذي قد يعلم الطفل العنف.

يحتاج بعض الأطفال لعلاجات دوائية يقررها الطبيب ويتابعها ولا ينصح باستعمالها دون الرجوع للإستشاري المتخصص. وهذا لا يعني عدم الإستمرار في الأساليب السلوكية والتربوية وتعديل البرنامج اليومي للطفل، وحتى أسلوب الكلام، فالأطفال لا يصغوا لفترات طويلة بالوضع الطبيعي فما بالك في الأطفال ذوي الإنتباه القليل والحركة المستمرة، فإن الجمل القصيرة هي الأساس المفيد وليس الشرح المفرط، واستعمال لغة الطفل دون خلط كلمات عربية وانجليزية أو فرنسية في نفس الوقت.

بالمتابعة والمعالجة السلوكية والدوائية يتخطى الأطفال هذه المشكلة وقد يبقى لها رواسب بعد المدرسة و في الجامعة والحياة العملية ، وقد تكون بدرجة بسيطة يستطع الإنسان التعامل معها، وقد يحتاج بعض الناس في العشرينات وبعد ذلك للمعالجة خصوصاً إذا كان نقص الإنتباه مستمر ويؤثر على التقدم في العمل والحياة.

ولابد لي من أن اختم الحديث بالقول إن الأب والأم العرب لديهم اهتمام بقراءة النشرات والكتالوجات لأي جهاز هاتف أو كمبيوتر يشتريه ويقرأه بعنايه ويبحث عنه عبر الإنترنت ، ولكن نادراً ما يقرأ كتاباً عن تطور الطفل والمراهق والأساليب الصحيحة للتعامل مع مشاكلهم، ويدعي الكثير من الناس أن أسلوبهم التربوي هو الأسلوب الحديث دون تحديد ، إلا أنه غير أسلوب آبائهم، وليس بالضرورة أن يكون أسلوب الآباء خطأ، ولابد من وضوح الأساليب التربوية، وكما أن المدارس في العالم العربي  عموماً مهتمة بالتحصيل الأكاديمي أكثر بكثير من التربية والسلوك والتفكير والإنضباط وغيرها من أساسيات الفرد المتوازن الناجح في حياته.

http://www.altibbi.com